الشوكاني
89
فتح القدير
عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما . وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله ، قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي ابن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، أو ما دفع إلينا غيره ، قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسألهم البينة فلم يجدوا . فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) إلى قوله ( أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا ، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء . وفى إسناده أبو النضر ، وهو محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير ، قال الترمذي : بركة أهل العلم بالحديث . وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم ، فأوصى إليهما ، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما ، ثم وجدوا الجام بمكة فقيل : اشتريناه من تميم وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم ، وأخذوا الجام ، قال : وفيهم نزلت ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) الآية ، وفى إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي ، قال الترمذي : قيل إنه صالح الحديث ، وقد روى ذلك أبو داود من طريقه . وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي سبب في نزول الآية ، وذكرها المفسرون في تفاسيرهم . وقال القرطبي : إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة هي سبب نزول الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) الآية قال : هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين مسلمين ، ثم قال ( أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ) فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين أمر الله بشهادة رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة ما اشتريا بشهادتهما ثمنا قليلا ، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، وثم رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة ، فذلك قوله ، ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ( ذلك أدنى أن ) يأتي الكافران ( بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء ، فليس على شهود المسلمين أقسام : إنما الأقسام إذا كانا كافرين . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا رجل خرج مسافرا ومعه مال فأدركه قدره ، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين ، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب ، فإن أدى فسبيل ما أدى ، وإن جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة إن هذا الذي دفع إلي وما غيبت منه شيئا ، فإذا حلف برئ ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه ، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه ، فذلك الذي يقول الله ( اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ( أو آخران من غيركم ) قال : من